الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
154
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرسول بعد سماع دعوته . وعن قتادة عكسه : أدبر عن طاعة اللّه وتولى عن كتاب اللّه وتبعه الفخر والنيسابوري . والجمع والإيعاء في قوله : وَجَمَعَ فَأَوْعى مرتب ثانيهما على أولهما ، فيدل ترتب الثاني على الأول أن مفعول جَمَعَ المحذوف هو شيء مما يوعى ، أي يجعل في وعاء . والوعاء : الظرف ، أي جمع المال فكنزه ولم ينفع به المحاويج ، ومنه جاء فعل فَأَوْعى إذا شحّ . وفي الحديث : « ولا توعي فيوعى عليك » . وفي قوله : جَمَعَ إشارة إلى الحرص ، وفي قوله : فَأَوْعى إشارة إلى طول الأمل . وعن قتادة جَمَعَ فَأَوْعى كان جموعا للخبيث ، وهذا تفسير حسن ، أي بأن يقدّر ل جَمَعَ مفعول يدل عليه السياق ، أي وزاد على إدباره وتوليه أنه جمع الخبائث . وعليه يكون فَأَوْعى مستعارا لملازمته ما فيه من خصال الخبائث واستمراره عليها فكأنها مختزنة لا يفرط فيها . [ 19 - 21 ] [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 19 إلى 21 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) معترضة بين مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 17 - 18 ] وبين الاستثناء إِلَّا الْمُصَلِّينَ [ المعارج : 22 ] إلخ . وهي تذييل لجملة وَجَمَعَ فَأَوْعى تنبيها على خصلة تخامر نفوس البشر فتحملهم على الحرص لنيل النافع وعلى الاحتفاظ به خشية نفاده لما فيهم من خلق الهلع . وهذا تذييل لوم وليس في مساقه عذر لمن جمع فأوعى ، ولا هو تعليل لفعله . وموقع حرف التوكيد ما تتضمنه الجملة من التعجيب من هذه الخصلة البشرية ، فالتأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر ولفت الأنظار إليه والتعريض بالحذر منه . والمقصود من التذييل هو قوله : وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً وأما قوله : إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً فتمهيد وتتميم لحالتيه . فالمراد بالإنسان : جنس الإنسان لا فرد معيّن كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 - 7 ] وقوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] ، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن .